فيلمها «نساء في صراع»
ذاكرة خوف وبطولة وخسارات

بثينة كنعان خوري: فيلمي محاولة لفهم تجربة اعتقال الانسان الفلسطيني


بثينة خوري مخرجة فلسطينية مستقلة اسست شركة «مجد» للانتاج السينمائي بمدينة رام الله عام 2000 وهدف الشركة الاساسي انتاج افلام تسجيلية عن القضايا الفلسطينية المختلفة والحيوية.
 حصلت على بكالوريوس الاخراج والتصوير من جامعة بوسطن بولاية ماسشوسيتس الامريكية وقامت بإنجاز ثلاثة افلام وعملت مخرجة للعديد من التقاريرالاخبارية وباحثة تسجيلية ومصورة، خبرتها تزيد عن عشر سنوات في مجال العمل الاعلامي.
 فيلمها الاخير «نساء في صراع» انجزته كمنتجة ومخرجة ومصورة وهو يعرض لتجارب ثلاث معتقلات فلسطينيات عشن احلامهن وحياتهن المسكونة بالذكرى والماضي الغني والاليم.

في الفيلم نرى تجارب المناضلات الفلسطينيات رسمية عودة وعايشة عودة وروضة البصير، وهن من اوائل المعتقلات الفلسطينيات بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية قطاع غزة عقب حرب حزيران 1967 ويروي الفيلم من خلال مقابلات مع المعتقلات السابقات احلامهن قبل الحرب والتحاقهن بالمقاومة بعدها وصولاً الى الاعتقال ومن ثم الافراج عنهن وتأثير المرور بتجربة التعذيب على حياتهن ومستقبلهن.
وكانت عائشة عودة، التي تشكل الراوي والشخصية المركزية في الفيلم، اعتقلت ورفيقتها في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رسمية عودة عام 1969 من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي اثر قيامهما بوضع متفجرات في سوق في القدس مما اودى بحياة اسرائيليين.
 وتعرضت عائشة خلال اعتقالها الى تعذيب شديد بما في ذلك اغتصابها وعرضها عارية على رفاقها وشاهدت مصرع احد رفاقها قاسم ابو عكر اثناء التعذيب وكذلك شاهدت التعذيب الشديد الذي تعرضت له رسمية عودة ويعقوب واخرين من الذين شاركوا في التنفيذ والتخطيط لهذه العملية.
ورأت عائشة في تلك العملية وسيلة من وسائل النضال الفلسطيني من اجل الحرية والاستقلال وان كان لايفرحها ان تتسبب بموت اي كان ولكن هذه هي طبيعة الصراع من اجل الحرية.
وروت رسمية عودة ان أصعب المراحل التي تعرضت لها في التعذيب لم تكن الضرب وعرضها عارية على رفاقها ولا كل وسائل التعذيب التي كانت تصل الى درجة الاغماء بقدر ماعذبها احضار والدها لمشاهدتها عارية، وهذا لم تنسه طوال حياتها لانه من اكثر اللحظات اهانة وخوفاً على والدها.
 ومن جهتها تنقلت روضة البصير من قرية طيبة شرق رام الله مع الكاميرا بين القدس وقريتها التي وقعت تحت الاحتلال عام 1967 وهي تروي قصة حياتها وانتقالها طفلة لتعيش في القدس وذهبت الى المواقع التي امضت فيها فترة المراهقة حيث وجدت عائلة اسرائيلية اصبحت تعيش في ذات المكان.
 وتعود لتروي بعد ذلك حادثة اعتقالها في نفس العام الذي اعتقلت فيهازميلاتها لكن في عملية اخرى وبعدهن بستة شهور إثر انفجار القنبلة التي كان يعدها احد رفاقها وجرحها وثلاثة من اشقائها واستشهاد معد القنبلة.
 وتروي رحلة التعذيب التي مرت بها والتي لم تكن سهلة عليها والحكم عليها بالسجن لفترة طويلة، وكانت رفيقاتها اللواتي حكم عليهن بالسجن المؤبد قد افرج عنهن بعد عشرة اعوام في مبادلة اسرائيلي كان اسيراً لدى المقاومة الفلسطينية في لبنان مع 79 معتقلاً فلسطينياً في اذار من عام 1979.
 وكانت اسعد حظاً من رفيقتيها بأنها استطاعت ان تتزوج وتتبنى طفلاً وتستمر في الحياة في حين ادت رحلة التعذيب التي تعرضت لها عائشة عودة وما مرت به خلالها الى عدم تحقيق احد احلامها الكبيرة في ان تكون أماً وهذا نفسه ما مرت به رسمية عودة.
 الفيلم مشغول بأناة ودراية سينمائية من المخرجة بثينة خوري في التعامل مع موضوع سياسي بعيداً عن المباشرة والتنميط والخطابية المعهودة في هكذا افلام، واستطاعت ان تمسك بالمتفرج الى مقعد الشاشة متفاعلاً مع الاسى الساكن في اعماق بطلات الفيلم عبر بوحهن الداخلي الانساني كبشر عاشوا احلام النضال والتغيير وتحرير الوطن وانكسروا مع انكسار الواقع.. الفيلم مشغول على هذه التفاصيل التي تكون الحياة.. تفاصيل صادقة من لحم ودم وعرق، من ضحكات مسروقة وألم طويل.. انها المرات القليلة في السينما الفلسطينية التي يخرج فيها البطل المناضل عن صورته المؤطرة ليقول مابداخله دون حرج او مكابرة، ان تعترف احداهن بأن تجربة السجن اثرت حتى على كينونتها كأنثى وعندما ابعد زوجها الى الاردن تقول: انها ارتاحت بداخلها فهي لا تستطيع ان تعيش كزوجة سوية بعد هذا التعذيب بينما تقول اخرى ان عزاءها الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو طفلها المتبنى فهو الذي ابقى لحياتها معنى.
  حكايات لا تنتهي، لأنها تستطيع ان تستولد آلاف الحكايات، المشكلة ليست ان نبوح، ونحن لا نبوح الا نادراً، المسألة هي الذكرى نفسها، ماذا نتذكر وماذا تعني الكلمات؟ ومن يذكر؟ اي ذكرى تنتصب اليوم امامنا وسط هذا الفراغ الموحش المسمى تاريخاً، ذاكرة الخوف ام ذاكرة البطولة ام الخسارات المتتالية..
وقد عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية عدة ونال فيها جوائز كان آخرها مهرجان الاسماعيلية للافلام التسجيلية والروائية القصيرة حيث التقيناها في هذا الحوار وفيه قالت عن الحافز لعملها فيلم عن معتقلات سياسيات فلسطينيات: «الذي جعلني اشتغل على موضوع المعتقلات كمخرجة مستقلة وامرأة.. ان موضوع الاعتقال تم الكلام عنه بشكل عام ومعظمه معمم، ومن وجهة نظر ذكورية، القصص التي تناولتها متميزة ولا يعرفها كل الناس، وأهم شيء انني احببت ان اعالج الموضوع من منطلق انساني بحت».
وكيف توصلت الى درجة البوح العالية والخاصة جداً من شخصيات الفيلم تقول بثينة: «في البداية كان ايماني بقضيتهن ومحاولة الوصول لهن كنساء ومناضلات وليس كأسطورة، ورغبت ان أوجد علاقة انسانية بيني وبينهن، بعض نساء الفيلم كنت اسمع عنهن ولكي اتوصل لعمل الفيلم كان علي ان ابني علاقة شخصية معهن، وقد ساعدني استخدام تقنيات معينة مثل طاقم العمل الصغير والكاميرا الصغيرة بأن ابعد العين المراقبة للمعتقل والعلاقة التي نسجت بيننا، ساعدت على اعطائهن فرصة ان يتحدثن عما بداخلهن.. ولدي اصدقاء كثر مروا بهذه التجربة، الفيلم عمل على محاولة فهم الانسان للآخر الذي مر بتجربة عميقة كالاعتقال.
ما اردته في الفيلم هو ان نقول كيف ان هذه المناضلة التي تعيش هذه التجربة وتعيش بعدها، وقد وصلت درجة التعبير في الفيلم الى ان الذين كانوا فيه قالوا ان هناك اشياء لأول مرة يحكونها، وامام كاميرا.. في بناء الفيلم عملت على ان لا يكون هناك شيء مكرر، فهدفي بالاساس العمل بشكل عميق وايماني القوي هو الشغل على قضية مؤمنة بها.. وان تكون قصة أولئك النسوة قد وصلت مباشرة الى قلوب الناس، ومن معظم ردود الفعل التي سمعتها حين عرض الفيلم في المهرجانات وجدت ان الرسالة وصلت بطريقة جيدة».
وعن كيفية عملها على صياغة وبناء الفيلم تقول: كان أهم شيء كسر الجمود والتعمق داخل القصص، عندما فكرت بالموضوع كان عدد النساء كبيراً وعندما بدأت التصوير كن سبع نساء ومن ثم اخترت شخصيتين رئيسيتين وشخصيتين ثانويتين، عائشة عودة وروضة بصير في الفيلم هما الشخصيتان الرئيسيتان، وحتى أدعم موقف عائشة اخذت رسمية عودة لأنها مرت بالتجربة نفسها ، وحتى اضيف عنصر التشويق، كانت عائشة تحكي من منطلق الشخصية القوية ومن منطلق مناضلة من الدرجة الاولى، روضة اخذتها من المنطلق الانساني الذي لم استطع ان أستلّه من رسمية.
اما تيري بلاطة فأخذتها من نقطتين مهمتين هما القدس والجدار، ولكي اصل الى نهاية الفيلم  في انهن رغم خروجهن من السجن فإن وجود الجدار العازل يجعلهن في السجن الاكبر وان السجن محمول في داخلهن».
وعن الصعوبات التي واجهتها لإنجاز الفيلم وخروجه الى النور ذكرت بثينة: «الصعوبات التي واجهتني كثيرة محلياً واسرائيلياً.. فهناك مشكلة في صعوبة الحركة والانتقال من منطقة الى اخرى..مثلاً هناك شخصية في غزة، ولكنني لم اتمكن من أخذها في الفيلم بسبب منعي من الذهاب لغزة لمدة خمس سنوات، وكانت هناك صعوبة بالدخول للسجون الاسرائيلية.
ثم هناك بعد ذلك مشاكل التوزيع، صحيح انني وجدت للفيلم موزعاً في امريكا لكن لم اجد له عرضاً في التلفزيونات الامريكية، في اوروبا عرض بعدد من التلفزيونات لكن حرم من الدخول بمهرجانات مهمة.. المشاكل متعددة سواء ان كانت في الانتاج او التوزيع او في عمل الفيلم، وجودنا بفلسطين يحرمنا ان نتواصل بسهولة مع الوطن العربي او العالم، وبرغم  كل هذه الصعوبات نحن ننجز افلاماً».
فيلم «نساء في صراع» تمويل شخصي من المخرجة التي رفضت التمويل الاسرائيلي الذي عرض عليها لأنه: «اولاً- التمويل المحلي يكاد يكون معدوماً، واذا حاولت ان تجد ممولاً اجنبياً او اوروبياً اواسرائيلياً سيكون له تأثير على فكرة الفيلم، انا التجأت للجانب الاوروبي ولكن هناك مقاييس يضعونها لكل فيلم تحت ادعاء ان الفيلم يجب ان يكون متوازناً، اي ان تغطي الجانب الاسرائيلي كما الجانب الفلسطيني، وهذا شيء لم اكن معنية به، الفيلم هو فلسطيني فكرة وموضوعاً وهنا يصطدم مع العقبة التي يضعونها.
اما ان اتوجه للجانب الاسرائيلي فهي فكرة مرفوضة سلفاً من قبلي، بالرغم من ان غيري من السينمائيين الفلسطينيين اتجه للجانب الاسرائيلي في التمويل،موضوع الفيلم شديد الحساسية وانا معنية ان يكون من منطلق فلسطيني بحت، ولذلك عانيت حتى تم انتاج الفيلم».
وترى بثينة خوري ان هناك في المجتمع الفلسطيني قصصاً كثيرة تصلح للعمل عليها سينمائياً، مثل جرائم الشرف مثلاً، والتي ستكون موضوع فيلمها القادم.

الاسماعيلية: محمد عبيدو
Obado@scs-net.org